وهم لا يشعرون في سباق داخل ميدان الحياة، فيه يتسابق المتسابقون، فالسابقون السابقون الصالحون أولئك الفائزون، أما المتأخرين فمنهم فئة، هي التي نريد التحدث عنها اليوم، فئة تشويه السمعة (المغتابون).
المغتاب هو ذلك الشخص الذي ينقل كلاما عن شخص آخر، بوصف أمور لا يرغب المتكلم عنه إظهارها للناس_ (ذكره بما يكره من خلف ظهره في غيابه)_ وهو في ثنايا هذا الكلام المنقول يظهر لفظيا رأيه فيه، يبدي المعايب، ويخفي المزايا، أو يفحش في سبه أو شتمه، وما شابه من أمور سلبية.
وبقليل من التأمل يظهر تساؤل:
ما هذا الشعور الذي ينتاب المغتاب حين يغتاب أحدهم؟، خاصة إن كان يظهرلمن اغتابه المديح أو الصداقة أو السلوك الطيب، لكن حين يغيب عنه ينتقد وبهجوم، تحت عذر أن هذا الانتقاد إذا وجه إليه مباشرة سوف يصاب بالألم والأذى، أوليس علمه بما تفعل من خلف ظهره هو الأذى الأكبر والأشد. ما سبب هذه الحالة من الجبن؟ نعم إن المغتاب حين يغتاب هو يمارس الجبن، ويتلبس صفة وسلوكا غير الذي عليه في حقيقة الأمر، وهذا سينعكس عليه كذلك في سلوكاته الأخرى، حتى وإن لم يشعر، وربما نفهم من ذلك سبب تكرار جملة وهم لا يشعرون في القرآن الكريم.
وهم لا يشعرون جملة تحمل معاني كثيرة، وتهديدا مبطنا خفيا، يفهمه فقط أولي الألباب ذوي العقول المتعمقة في العلم، ومن يحلل ويرتب وينظم ويعيد التنظيم والتركيب فيفهم معاني وإلهامات أخرى، إلى جانب ما وضحه العلماء من قبل مما ثبت صحته، وبالتالي يكونون أكثر وعيا بخطورة الغيبة ويتبعها بالطبع مصاحبة النميمة، وهي نقل الكلام المقال في الغيبة إلى شخص من الأشخاص الغائبون، بغرض الإيقاع بين من قال القول ومن سمعه من النمام، وهذا يكثر حدوثه بين الناس العوام وهم لا يشعرون، بمعنى أنهم يظنون أن هذا مجرد حديث، وسيمضي، وتجاهلون الأثارالمترتبة على هذه الغيبة، بل ويؤثرون على غيرهم ليكونوا مثلهم، تحت مسمى مجرى حديث.
وهم لا يشعرون
ما هي الدوافع النفسية التي تجعل المغتاب يمارس سلوك الجبن؟
هناك عدة دوافع وحالات نفسية تدفع المغتاب إلى ممارسة سلوك الجبن، وهي كالتالي:
- التهرب من المواجهة المباشرة تحت ذريعة واهية:
يتعلل المغتاب بأن انتقاده للشخص في وجهه قد يسبب له "الألم والأذى"، فيلجأ إلى الغيبة كبديل، بينما هذا السلوك هو محض جبن، لأن أثر الغيبة حين تصل للشخص يكون أشد إيلاماً وأذى، ولأن هذا الفعل يناقض حقيقة الشجاعة، وحقيقة أن تهدي للشخص عيوبه بغرض أن ينتبه لها ويصلحها، فحقيقة الكلام من الخلف لا تعني رغبة في أن يصلح الشخص نفسه بقدر إظهاره أمام الغير معيوب، ولا يستحق التقدير بسبب هذه العيوب.- الشعور بالتأخر في "ميدان الحياة":
المغتابين ضمن فئة "المتأخرين" في سباق الحياة، والذين يسعون لتعويض هذا التأخر من خلال تشويه سمعة الآخرين وإبراز معايبهم وإخفاء مزاياهم، نعم، فحقيقة أنك تغتاب أحدهم، تنفي أنك تريده أن يتغير للأفضل، بل تريد أن يبقى هكذا، بينما تظهر أنت أفضل حالا منه، لأنك لا تفعل هذا السلوك، أو لأنك لاحظت عيبا فيه، وكأنك معلم اكتشف خطأ الطلاب، بينما هناك فرق شاسع بين هذه وتلك، فالمعلم ينبه الطلاب على عيوبهم وأخطائهم بهدف إصلاحها، في وجوههم، بينما من ينتقد الأخر في ظهره لا يهدف لأن يصلحه، بل لأن يظهر هو متفوقا عليه، وهذا يعني ان هناك شعورا ما داخليا بالتدني في تقدير النفس، فلو كنت تعرف قيمتك الشخصية ما سمحت لك تلك المعرفة بأن تضع الغير في بالك، وأن تتحدث عنهم، بل لكنت دعوت لهم بما يصلحهم، وترفعت عن ذكر معايبهم في غيابهم، بل ورددت غيبتهم بذكر مزاياهم.- الازدواجية في الشخصية:
يمارس المغتاب الجبن من خلال إظهار "المديح أو الصداقة أو السلوك الطيب" للشخص في وجهه، بينما يشن عليه هجوماً عنيفاً في غيابه، مما يجعله يتلبس صفة وسلوكاً غير حقيقته، فالناقد البناء ينقد بذكر المزايا والعيوب، وفي وجود من ينتقده، وبأسلوب يغلب عليه الهدف الإصلاحي والمحبة والرغبة في إفادة الأخر، بينما المغتاب يفعل العكس تماما، قد يكون متعمدا وقد لا يكون، فيكون مثل أولئك الذين هم لا يشعرون، فازدواجية الشخصية تعني وجود قناعين، قناع محب وقناع كاره، في الواجهة صديق وفي الخلف عدو، وهذين الدورين لا يصح وجودهما في نفس إنسان سوي، وعليه فإن المغتاب إنسان غير سوي، يسلك سلوكا متناقضا، لا يستوي معه السواء النفسي المطلوب للمؤمن والإنسان المستقيم الصالح.- انعدام الوعي بالتبعات (وهم لا يشعرون):
يعتقد الكثير من الناس أن الغيبة مجرد "حديث وسيمضي"، متجاهلين الآثار النفسية والاجتماعية المترتبة عليها، وهذا الجهل أو التجاهل يدفعهم للاستمرار في هذا السلوك الجبان دون استشعار خطورته، والتي منها: - إفشاء الأسرار والخصوصيات والأمانات الشخصية المؤتمن عليها.
- الخوض في أعراض الناس، والعرض كل ما يشين الإنسان.
- تفشي الكراهية والنبذ بين الناس، فلا أحد يحب أن يتعامل مع إنسان عرف عنه السوء.
- زيادة الإضطراب النفسي والقلق وانخفاض التقدير الذاتي لدى الشخص الذي اغتيب.
- التنمر من المستمعين للغيبة على من تم اغتيابه، بالجهر تارة والتلميح أخرى، وزيادة الغيبة عنه في مجالس غيبة أخرى.
- إذا ساءت الحالة النفسية للذي يتم تشويه صورته قد يصل الأمر للتخلص من روح ونفس، وذلك يعتبر مشاركة في إزهاقها.
- تكرار ذكر عيوب الغير ينسي النفس عيوبها، وبدلا من الانشغال في إصلاحها مما لحقها من أثار تربوية خطأ حدثت في الطفولة وما بعدها، يستمر المغتاب في نسيانها، فتكبر وتتضخم، وتصبح أسلوب يحاكيه الغير والصغار، وهكذا تستمر الدائرة المسيئة إلى أن يقطعها أحدهم.
- الرغبة في التأثير السلبي على الآخرين:
يسعى بعض المغتابين والنمامين إلى الإيقاع بين الناس، وجر الآخرين ليكونوا مثلهم تحت مسمى "مجرى حديث"، وهو نوع من الهروب من المسؤولية الأخلاقية عبرتعميم السلوك الخاطئ، لأن من تنقل لهم سينقلون عنك ومنك، وستستمر حلقة الغيبة لوجود ما يثيرها، أما لو انقطعت عند شخص ما، فهذا مع تكراره سوف يحد من أثار تواجدها، ومن هنا يمكن فهم لماذا أمر المسلمون بأن لا يغتابوا الأشخاص، وأن لا يجلسوا في مجالس الغيبة، وأن يردوا غيبة الأشخاص إن اضطروا للتواجد، وعدم المشاركة في ذلك العبث المسيء؟إن هذا السلوك لا يبقى محصوراً في الغيبة فقط، بل ينعكس على سلوكيات المغتاب الأخرى، مما يرسخ لديه صفة الجبن في تعامله مع الحياة بشكل عام، ولا شك أن الحياة هي ميدان اختبار وسباق في ذات التوقيت، فإن كنت ممن يتصرف ضمن فئة الذين لا يشعرون فأنت تخسر وبشدة، خاصة في معتقداتك الإيمانية، وتنزع بنفسك الرحمة والإنسانية والتماس الأعذار للغير من قلبك، وبدون هذه الصفات الداخلية ستعاني، ويختلف شكل هذه المعاناة تحت أشكال وأسماء ومواقف مختلفة قد لا تشعر بها، فضلا عنك سوف تنكشف للناس وتنفضح حقيقتك، فلكل بداية نهاية، بل إن البداية دليل وجود نهاية، فتخيل أن تعرف بين الناس بالمغتاب، أو النمام؟ وتخيل عقوبة ذلك إن لم تكن تعلم في معتقداتك الدينية.
كيف يمكن للشخص حماية نفسه من الانجرار خلف مجرى الحديث؟
يمكن للشخص حماية نفسه من الانجرار خلف "مجرى الحديث" الذي قد يؤدي للغيبة والنميمة من خلال اتباع عدة استراتيجيات نفسية وفكرية:
- تنمية الوعي العميق (أولو الألباب):
الحماية تبدأ بأن يكون الشخص من "أولي الألباب ذوي العقول المتعمقة"، الذين لا يكتفون بظاهر الحديث، بل يقومون بـ "تحليل وترتيب وتنظيم" ما يسمعون، . هذا الوعي يجعل الشخص مدركاً لخطورة الكلمة قبل النطق بها، ومن هنا أهمية تعلم فن الحوار في الإسلام، وفنون الرد اللبق، وطرق تعزيز الرحمة في القلب.
- إدراك خطورة "الكلمة العابرة":
يجب الحذر من الوقوع في فخ اعتبار الغيبة "مجرد حديث وسيمضي". الوعي بأن هذه الأحاديث لها آثار مترتبة ونتائج سلبية، وأنها ليست عفوية كما تبدو، يشكل درعاً واقياً من التساهل فيها، فمن علم العواقب آمن المخاطر، فمن أمن العقاب آساء الأدب، فاعلم عاقبة ما تفعل قبل أن تفعل لردعك عنه قبل أن تفعله.
- فهم التهديد المبطن:
التأمل في جملة "وهم لا يشعرون" التي تكررت في النصوص، حيث أنها تحمل "تهديداً مبطناً خفياً" لمن ينساقون خلف هذه الأحاديث دون إدراك لتبعاتها الأخلاقية والنفسية، فانعدام شعورهم بخطورة ما يفعلون تجعلهم يتمادون فيه، ومن ثم لا يستحضرون النتائج، ولا العقاب.
- تجنب التأثر بضغط الأقران:
البعض يحاول التأثير على غيرهم ليكونوا مثلهم تحت ذريعة "مجرى الحديث"، والحماية تكمن في رفض هذا التأثير وعدم السماح للآخرين بجرك إلى ميدان "تشويه السمعة" لتعويض إخفاقاتهم أو تأخرهم في سباق الحياة، فقد تكون أنت التالي في قائمة الذين يتم اغتيابهم من هذا الشخص الذي يغتاب غيرك أمامك، ولا تفرح بمعرفة عيوب غيرك، فانت كلك عيوب وأنت لا تشعر، فكل ابن آدم خطاء، فأين أنت من معرفة أخطاءك وإصلاحها.
- استحضار حقيقة "الجبن" في الغيبة:
تذكر دائماً أن المشاركة في نقد الآخرين في غيابهم هو "ممارسة للجبن" وتلبس بصفات غير حقيقية، هذا الإدراك يساعد الشخص على اختيار المواجهة الصادقة أو الصمت بدلاً من الانجرار خلف سلوك يضعف شخصيته وينعكس سلباً على سلوكياته الأخرى، إن الحماية الحقيقية تكمن في اليقظة الفكرية التي تجعل الشخص "يشعر" بخطورة ما يقال، بدلاً من أن يكون من الفئة التي وصفت بأنهم يفعلون ذلك "وهم لا يشعرون".

0 تعليقات
يسرنا تلقي آراؤكم، يرجى إظهار أجمل أخلاقك في ألفاظ مهذبة مهما اختلفت وجهات نظرك